عين القضاة

مقدمة 97

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

غير متجرّد عن جلباب قالبه ، ولا يتصوّر لغيره الوصول إلى أكثرها ، لا في الدنيا ولا في الآخرة . وهذا حق وصدق يشاهده العارفون ببصائرهم ، كما يشاهد العقلاء أن العشرة أكثر من الواحد . والغالب على من لم يقدّر له الوصول إلى الطور المشار اليه أن يصرّ على التكذيب بوجوده ويموت عليه إلى أن ينكشف عنه الغطاء كما أشار اليه القرآن في حق الكفار حيث قال : « فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ . أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا » . ومن كان حاله التصديق بأمثال ما حكيناه طبعا من غير تكلف ، فلا بدّ وأن يكون قد رزق شيئا من ذلك . الفصل السادس والتسعون ( علاقة العقل بالأطوار التي وراء العقل ) لا شك أن العاقل يستدل بمشاهدة كل بدن على نفسه ؛ كما يستدل بمشاهدة بدن الفرس والحمار والقرد والبعير والإنسان ، على تفاوت الأنفس المتصرفة في تلك الأبدان . ويسهل عليه ادراك الفرق بين الأبدان التي هي بعد في تصرّف نفوسها ، وبين الأبدان التي فارقتها نفوسها بالموت . فكذلك فاعلم يقينا أن العقل الأنسانى للطور الذي وراءه ، بمنزلة البدن للنفس ؛ والعارفون الكاملون في المعرفة ، يستدلون بمشاهدة قوالب العقول على تفاوت أرواح الأطوار الكامنة فيها كمون النار في الحجر ؛ ويسهل عليهم ادراك الفرق بين عقل عنّى فيه أطوار كثيرة وبين عقل لا شئ فيه من تلك الأطوار ، بل هو كقالب انقطع عنه تصرّف النفس .